نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مع الشروق : أوروبا...على هامش المعادلة - عرب بريس, اليوم الأربعاء 26 فبراير 2025 11:21 مساءً
نشر في الشروق يوم 26 - 02 - 2025
في خضم التحوّلات المتسارعة على الساحة الدولية، يبرز تقارب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين كأحد أكثر التطورات إثارة للجدل، خاصة في سياق الحرب المستمرة في أوكرانيا منذ فيفري 2022، وهو ما بدأت تمظهراته عبر مكالمات هاتفية وتلميحات إلى لقاءات محتملة، أثارت مخاوف عميقة في أوروبا، التي تواجه معادلة جيوسياسية معقدة قد تعيد تشكيل توازن القوى عالميًا.
منذ عودته إلى البيت الأبيض في أواخر جانفي الماضي، أظهر ترامب نوايا واضحة لإعادة صياغة السياسة الخارجية الأمريكية بما يتماشى مع رؤيته الشخصية، فوعوده ب "إنهاء الحرب في أوكرانيا خلال 24 ساعة" لم تكن مجرد شعارات، بل بدأت تتجسد في تحركات دبلوماسية، أبرزها التواصل المباشر مع بوتين، في توجّه يتناقض مع سياسة الرئيس السابق جو بايدن، التي ركزت على دعم أوكرانيا عسكريًا وسياسيًا ضد روسيا، في حين بدا ترامب على العكس من ذلك تماما، ميالًا للتفاوض مع موسكو، ربما على حساب تنازلات قد تشمل تجميد النزاع أو الاعتراف بسيطرة روسيا على أجزاء من الأراضي الأوكرانية، ضمن أُطُر صفقة لو تحققت فستُفسر أوروبيا كتخلٍّ عن المبادئ التي قامت عليها الشراكة الغربية، مما يضع القارة في موقف حرج.
ما من شكّ أن أوروبا التي طالما اعتبرت الولايات المتحدة مظلة أمنية موثوقة، تجد نفسها اليوم مهددة بفقدان هذا الدعم، فتصريحات ترامب التي تصف الحرب ب "السخيفة" وتهديده بتقليص المساعدات لكييف دفعت زعماء أوروبيين إلى الدعوة لتشكيل جيش أوروبي موحد، بينما ترى قيادات غربية أن القارة قد تتحمل العبء الأكبر في تسليح أوكرانيا، وهو تحول نحو الاستقلالية لن يكون سهلاً إطلاقا، فقد يؤدي إلى انقسامات داخل الناتو بين الدول التي تدعم الاستقلال والأخرى التي تتشبث بالحليف الأمريكي.
ولا ريب أن لمثل هذا التقارب بين ترامب وبوتين تداعيات جيوسياسية متعددة وعميقة، إذ أن من شأن هذه الخطوات أن تُضعف حلف الناتو بشكل غير مسبوق حيث تتراجع الثقة في الولايات المتحدة كحليف موثوق، ودول مثل بولندا والدول البلطيقية، التي تعتمد على الحلف لردع روسيا، قد تشعر بالتهديد المباشر، مما يدفعها لإعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية.
وترى بعض القراءات في المقابل، أن هذا التقارب قد يُسرع من الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، ففرنسا، التي تدعو منذ زمن إلى "سيادة أوروبية"، قد تجد فرصة لقيادة هذا المشروع، لكن التحديات الاقتصادية والسياسية قد تعيق دولًا أخرى مثل ألمانيا عن اتباع هذا المنهج ، وقد تستغل قوى دولية مثل الصين مثلا الوضع لتعزيز نفوذها، وهو ما سيكون منطلقا لإعادة الحسابات للجميع حيث ستصعد قوى وتأفل أخرى من وراء منطق ترامب في فض الحرب في أوكرانيا الذي يبدو أقرب إلى الصفقة منه إلى الخيارات الجيوسياسية.
وفي المحصّلة، يمكن القول إن تقارب ترامب وبوتين سيضع أوروبا أمام اختبار وجودي، بين قدرتها على ملء الفراغ الأمريكي وتصبح بذلك لاعبًا جيوسياسيًا مستقلًا، وبين إجبارها على قبول تسوية تُعيد رسم حدود النفوذ في القارة، وهو ما ستحدد إجابته المرحلة القادمة، لكن تداعيات هذا التقارب ستظل تتردد لسنوات، في عالم قد يصبح أكثر قطبية وأقل استقراراً.
هاشم بوعزيز
.
0 تعليق